علي الهجويري

449

كشف المحجوب

فإذا سمعوا صوت إبليس علموا أنه امتحان من الله تعالى وإذا سمعوا صوت سيدنا داود عرفوا أنه إرشاد من الله تعالى وعلى ذلك فإنهم تركوا الأشياء الظاهرية ورأوا الحق والباطل على ما هما عليه فمن كان سماعه مثل هذا كان كل ما يسمعه حلالا وبعض المدعين يقولون إن لنا سماعا خلاف هذا ، وذلك باطل لأنه من كمال الولاية شهود حقيقة الأشياء على ما هي عليها حتى الرؤية فإذا رأيت غير ذلك كانت الرؤية كاذبة ، وقد قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم أرنا الأشياء على ما هي عليه » . وحينما يصح النظر تكون الرؤية للأشياء كما طلبها الرسول وكذلك فالسماع الحق يشمل كل شيء على ما هو عليه بالكيفية والكم . والسبب الذي ضل به الناس ونمت شهوتهم بآلات الطرب هو أنهم يستمعون للباطل لأنه لو كان سماعهم مطابقا للحقيقة لنجوا من كل شر فأهل الشرك سمعوا كلام الله وازداد ضلالهم من قبل فقال النضر بن الحارث إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ « 1 » وقال عبد الله بن أبي سرح كاتب الوحي فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ « 2 » وقد قال بعضهم لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 3 » مستدلين بذلك على عدم رؤيته سبحانه وتعالى ، وقال بعضهم ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ « 4 » قائلين بأن المكان والجهة مثبتة له سبحانه وتعالى وقالوا إن في قوله تعالى وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا « 5 » الآية دليل المجيء وذلك لوجود الضلال في قلوبهم فلم تنفعهم كلمة الله شيئا ، والموحد إذا سمع شعرا نظر إلى خالق طبع الشاعر الذي منحه قوة الفكر ثم يدخل من هنا فيرى في العمل آية من آيات القادر وعلى ذلك فإنه يجد طريق الحق ولو كان ذلك في الباطل ، أما من ذكرناهم سابقا فإنهم قد ضلوا الطريق فيما بين الحق .

--> ( 1 ) سورة الأنعام آية 25 . ( 2 ) سورة المؤمنون آية 14 . ( 3 ) سورة الأنعام آية 103 . ( 4 ) سورة الأعراف آية 54 . ( 5 ) سورة الفجر آية 22 .